بين القرار والاختيار أثر لا يغيب بقلم رابح زهران 🇪🇬

 

بين القرار والاختيار أثر لا يغيب




 بقلم رابح زهران 🇪🇬

الفراق هل هو قرار أم اختيار وهل تعتقد أن كلا الطرفين يجدان في الفراق حلا مريحا

 لا طبعاً

 يحدث الفراق أحيانا في بعض الظروف

 أولا فراق المادة وهذا أقل وأدنى أنواع الفراق وفي هذا الظرف يكون المفارق هو الكسبان 

ثانياً فراق الضغط وهذا ما ينتج عن شخص ضعيف جدا في الحضور الشخصي وأخذ قرارات مصيرية ثالثاً الفراق الحتمي الذي يخلد ذكرى كل من تعامل معها وعند تذكره نتمنى سريعاً عودة الماضي ولو لحظة من جمال ذكرى المفترق فالفراق ليس مجرد نهاية بل هو إعادة صياغة للعلاقة في غياب الأجساد 

وهناك نوع آخر وهو فراق النضج والارتقاء حيث يدرك الطرفان أن الاستمرار يعني استنزاف ما تبقى من ود فيختاران الرحيل وهما في قمة التقدير لبعضهما البعض إنه فراق الأوفياء الذين يرفضون أن تتحول ذكرياتهم الجميلة إلى معارك يومية فيقررون إغلاق الكتاب بينما لا تزال سطوره مشرقة وفي الحقيقة الفراق نادراً ما يكون اختياراً محضاً بمحض إرادتنا بل هو غالباً قرار اضطراري تفرضه الظروف أو الطباع وهو ليس حلاً مريحاً كما يشاع بل هو جراحة مؤلمة لاستئصال جزء من الروح لكي ينجو الجسد والطرفان في الفراق خاسران في البداية لكن الرابح الحقيقي هو من يخرج من العلاقة بضمير مرتاح لم يظلم ولم يخن ولم يترك خلفه إلا طيب الأثر فأن تكون ذكرى طيبة لمن عرفك هو أسمى مراتب الرقي الإنساني فالأجساد تغيب والمادة تفنى والضغوط تزول ولا يبقى في الوجدان إلا الصدى الذي تركناه في قلوب الآخرين إن الكلمة اللطيفة والموقف الشهم والود غير المشروط هي التي تجعل من الفراق الحتمي مجرد مسافة مكانية بينما يبقى الحضور الروحي طاغياً وليس الفراق هو النهاية دائماً 

فأحياناً يكون هو الطريقة الوحيدة لنحفظ لمن نحب مكانتهم العالية في قلوبنا بعيداً عن كدر الواقع فمن يرحل وهو يحمل في حقيبته الحب والود والاحترام والتقدير لا يسمى غائباً بل يسمى ساكناً في الذاكرة والرحيل الحقيقي ليس في غياب الوجوه بل في موتها داخلنا ونحن أحياء لذا فإنني أؤمن أن المسافات لا تقتل الحب بل الإهمال هو من يفعل ذلك والغياب لا يمحو الملامح بل النسيان هو من يطمسها ومن هنا تبرز قيمة المعدن الأصيل الذي لا يتغير بتغير الفصول ولا تذروه رياح الخلافات العابرة فالمواقف هي وحدها التي ترسم ملامحنا في عيون الآخرين بعد أن نمضي وتظل بصمات الروح هي التوقيع الوحيد الذي لا يمكن تزويره أو محوه مهما طال الزمن 

وأنا أتمنى أن أكون ذكرى لكل من عرفني بالحب والود والاحترام والتقدير فليكن رحيلنا دائماً كالعطر يغادر المكان وتظل رائحته عالقة في الأنفاس لسنوات طويلة ولتكن نهايتنا مع الآخرين مشرقة كبداياتنا تليق بنبل قلوبنا وتمنحنا السلام حين نلتفت إلى الوراء فلا نرى إلا بياضاً يملأ المدى وذكرى تعيد إلينا نبض الحياة كلما اشتقنا إلى ماضٍ كان وما زال يسكن فينا

تعليقات